Home Introduction Page 4 oldphotos Page 6 Page 7 Page 8

الأخبارNEWS /

الرئيسية
فيلم فيديو
صوّر قديمة
صوّر حديثة
فعاليات ومناسبات
المنبرالحر
المنبرالإقتصادي
تعارف
متحف الأب عمانوئيل
      خوشابا للصور القديمة
شخصيات من شرانش
العائلات الشرانشية
الوفيات
الأرشيف
إتصل بنا

welcome, this website is still under construction.

 

 

 

الاقتصاد النووي

تحدي بروميثيوس للشعوب الشرقية

تقرير خاص عن اقتصاد النظائر

Isotope Economy

ترجمة: حسين العسكري

إعداد: سليمان يوحنا

 الاقتصاد النووي طريق المستقبل

قد يتسائل البعض، لماذا ينشر المتمكنون في اللغة العربية من العاملون مع السياسي وعالم الاقتصاد الأمريكي ليندون لاروش، في هذا الزمن الصعب المشبع بالمآسي والاحتلالات وخطر الحروب الأهلية والتطهير العرقي من العراق إلى فلسطين ولبنان والسودان والصومال وعودة إلى الخطر الداهم الذي تشكله خطط إدارة بوش وبالذات نائب رئيسه ديك تشيني بقصف البرنامج النووي الإيراني وإشعال حرب إقليمية شاملة، نقول قد يتسائل البعض عن سبب نشر تقرير خاص عن قضايا فيزيائية مكانها في المختبرات وليس الشارع السياسي. نجيب على ذلك بالقول إن سلسلة التقارير التي نشرناها منذ التقرير الأول في أغسطس 2006 الذي تناول العدوان الإسرائيلي على لبنان، والتقرير الثاني بعد توقف العدوان حول الأطر الواجبة للسلام والتنمية الاقتصادية في المنطقة، وهذا التقرير الذي بين يدي القارئ الآن كل لا يتجزأ وسلسلة متواصلة من الأفكار والتحليلات التي لا يمكن فصل بعضها عن البعض برغم ما يبدو للعديد من الناس، للأسف، من عدم ارتباط بين السياسة والاقتصاد والعلوم والفلسفة.

إذا كنا ننظر إلى وضعنا ووضع العالم والتاريخ سنكتشف أن وجودنا كبشر أولا وشرقيين ثانيا بعين الصدق والمسؤولية، فسنجد بأن علينا أن لا نفرق بين أي من هذه المواضيع وأن علينا أن تعلم ونتقن كل هذه العلوم والأفكار حتى نخرج من مآزقنا السياسية. نعم، بدون التبحر في الفكر والفلسفة والفيزياء والموسيقى وعلوم الحياة وعلم الفلك، إلخ، لن نتمكن من الخروج من وضعنا الحالي.

لقد حان الوقت لأن يواجه البشر مسؤولياتهم تجاه أنفسهم وتجاه أجيالهم القادمة وشعوبهم وتجاه البشرية. إننا نرى وللأسف من المسلمين من يلتجيء إلى التطرف الديني والقبلي وحتى الطائفي ويتخذ الدين عذرا للتخلي عن مسؤولياته الحقيقية تجاه الله والإنسانية كما وصفناها هنا، بحجة طاعة الله. إن ما يريدون عمله هو التكاسل عن تلك الواجبات وإلقاء مسؤولية أفعالهم أو عدم فعلهم وتقاعسهم على الدين. القضية الأساسية التي يجب أن يستوعبها كل إنسان يعتبر نفسه مواطنا صالحا في بلده ومواطنا عالميا لكل الأمم هي معنى المواطنة الحقيقي بمعناها التاريخي، وليس فقط ما مكتوب في بطاقة الهوية أو جواز السفر.

ما معنى أن تكون مواطنا؟

ما تعنيه المواطنة أولا وفوق كل شيء هو أن يحمل الفرد المسؤولية تجاه أمته الآن ولمستقبلها اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. ينطبق الأمر ذاته على المسؤولية تجاه البشرية جمعاء. إن هذا ما قد يمنحنا الخلود. أن نهب حياتنا لإسعاد الآخرين وتحسين حياتهم وفهمهم للكون. على الفرد أن يتعلم ويستوعب أحسن ما جاءت به أمته والأمم الأخرى من فكر وعلم وفن، وأن يطوره ويهديه مجددا، أجمل وأحسن مما كانت عليه حين استلمها، إلى الأجيال اللاحقة. هكذا يكون لحياتنا معنى وقيمة إلى الأبد.   

السيادة فرديا ووطنيا

 أن يأخذ الفرد هذه المسؤولية تجاه التاريخ هو المعنى الحقيقي لأن يكون الفرد مواطنا ذا سيادة، مواطنا عالميا ذا سيادة. لكن ماذا يعني أن يكون المرء سيد نفسه؟ بنظري، السيادة تعني، القدرة التي تولد معنا لأن نصبح فاعلين مبدعين وخلاقين ضمن عملية الخلق الكبرى وأن نساهم في عملية تطور هذا الكون. في الفكر المسيحي، يدلل على ذلك بفكرة "خلق الإنسان على صورة الله" (سفر التكوين من 1:26 إلى 1:28 خلق الإنسان والإستخلاف في الأرض) على سبيل المثال لا الحصر. هذا يعني أن يستثمر الإنسان هذه القدرة الإبداعية وأيضا محبته غير المشروطة للخالق وجميع البشر لينمي معرفته بالكون وطبيعة الإنسان وأن يحسنهما.      

 الصراع من أجل الحرية

هذا يعني أيضا أن يكون لدى الفرد الحرية لتطوير تلك القدرة العقلية الإبداعية. لقد شهد تاريخ الإنسانية الطويل صراعا طويلا ومريرا، ودمويا أحيانا كثيرة، من أجل أو ضد تلك السيادة. ففي جانب تقف العبودية وأفكارها: الفكرة الإمبريالية لمجتمع تسيره نخبة صغيرة تسيطر على مقدرات وحياة عدد كبير من العبيد أو قطعان البشر التي يجب إبقاؤها دائما بعيدا عن نور العلم والحرية والتطور. ذلك هو ما نسميه في حركة لاروش "المجتمع الأوليجاركي". 

 على الجانب الآخر نجد دائما الفكرة الإنسانية السامية الجمهورية لمجتمع أفراده أحرار أو يسعون نحو الحرية بالمعنى المذكور أعلاه وليس المعنى العبثي. يمنحنا تاريخ اليونان صورة درامية وفنية لذلك الصراع، وعلى أي ساحة قتال يدور هذا الصراع التاريخي. كما يعطينا صورة واضحة لسمو الشعوب أو انحطاطها إلى الدرك الأسفل من الحروب والجهل والمرض. في مسرحية "بروميثيوس مغلولا" للمسرحي اليوناني أسخيلوس (525-456  قبل الميلاد) نشاهد الانتفاضة اليونانية ضد نموذج الإمبريالية والعبودية. حيث يصدر الحكم على التيتان بروميثيوس (نسل خاص من الآلهة) من قبل الإله الطاغية زيوس بالعذاب الأبدي مغلولا إلى صخرة على قمة جرداء من قمم جبال القوقاز حيث يأكل نسر جارح كبده كل يوم، فيلتئم ليلا، حتى يعود النسر في اليوم التالي ويأكله من جديد. ولأن بروميثيوس خالد لا يموت، قرر زيوس أن يكون عذابه أبديا. لكن ماذا كانت "جريمة" بروميثيوس حتى يستحق عليها كل هذا العذاب؟ "جريمته" هي أنه أعطى للبشر الفانين (الذي حكم عليهم زيوس بالعيش في فقر وجهل) ليس فقط هدية النار التي تعلموا منها الحدادة والأعمال اليدوية العديدة وبناء البيوت من الطوب ليحسنوا من معيشتهم ويخرجوا من العيش كحشرات في المغاور، بل وأيضا علمهم السفر في أصقاع الأرض عن طريق الاهتداء بالنجوم فتعلموا الفلك وعلم العدد واللغات والشعر والفن والطب والعديد من المعارف. كان بروميثيوس يريد لهم الانعتاق من حياة العبيد تحت سلطة إله طاغية. ذلك الطاغية زيوس هو مثال النموذج الأوليجاركي. 

 تلك الحرية للإنسان الفرد، من أجل تطوير القدرات الإبداعية إلى أقصى درجة، هي الحجر الأساس للحضارة الإنسانية عبر العصور. لقد شاب التاريخ الإنساني الكثير من المآسي الناتجة عن الفكر الأوليجاركي، الذي كان أساس الإمبراطوريات القديمة والحديثة، مما أخر التقدم البشري كثيرا، لكن عصور النهوض من مصر القديمة إلى اليونان وإلى عصر النهضة الأوربي تخرج الإنسانية من الظلام إلى النور برغم كل الصعاب. واليوم، تبقى المسألة هي ذاتها، لم تتغير إلا في بعض مظاهرها الخارجية.     

من أين تأتي سيادة الأوطان؟

لكن مثلما تسكن الروح في جسد، يحتاج الإنسان الفرد وعاءا يحميه ويغذيه، ويحمي ويغذي حريته من أجل التطور والإبداع. أصبح هذا الأمر ممكنا، في التاريخ الأوربي الحديث، مثلا، عبر نمو الشكل الحديث للدولة الوطنية. لقد ولدت الدولة الوطنية الحديثة في أوربا عبر صراع مرير من أجل السلام والعدالة بعد مئات السنين من عصور الظلام والحروب الصليبية التي قادتها وأدارتها إمبراطورية البندقية والانهيارات الاقتصادية وانتشار الأوبئة والحروب الدينية الداخلية الأوربية حتى حلول سلام ويستفاليا عام 1648. تم هذا برغم كل المقاومة ضد فكرة الحرية من قبل الأوليجاركية الإقطاعية الأوربية. وجاءت الثورة الأمريكية عام 1776 ضد الإمبراطورية البريطانية وتأسيس جمهورية الولايات المتحدة كتتويج لذلك الصراع. لكن مما يؤسف له هو أن ذات الولايات المتحدة التي كانت شعلة للأمل وقلعة للحرية، انحدرت في العقود الأخيرة نحو الفكر الإمبريالي الأوليجاركي، لكن االصراع من أجل تخليص الولايات المتحدة من ذلك الكابوس لا يزال قائما وفرص النجاح أكبر بكثير مما يتصور غالبية الناس.

إن الكثير مما تبدو محاولات "دولية" لخلق توازن في العالم باسم الأممية، وعادة تحت علم الأمم المتحدة ومنظماتها، ما هي إلا محاولات خبيثة لنزع السيادة القومية عن شعوب العالم المتحررة سابقا أو حديثا من الإستعمار ووضعها مجددا تحت سلطان نخبة عالمية تخدم مصالح الطبقة الأوليجاركية المالية والاقتصادية العالمية. الكثير من برامج "التنمية المستدامة" من قبل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي هي محاولات لإبقاء شعوب العالم تحت مستوى محدد من التطور التكنولوجي والعلمي والصناعي. أما إذا حاولت أمة من الأمم، خاصة من العالم النامي، الخروج من تلك السيطرة والأخذ بزمام العلم والمعرفة والتقدم الصناعي، اجتمعت ضدها كلاب الأوليجاركية لوقف ذلك التقدم والاستقلال، تحت مسميات عديدة، عسكرية علنية أحيانا مثل اسلوب إدارة بوش الحالية، أو ودبلوماسية مبطنة خبيثة مثل الحكومة البريطانية تحت حكم توني بلير مثلا، أو الحركة البيئية الخضراء الممولة والمدعومة سرا وعلنا من قبل الأوليجاركية. لكن الهدف هو واحد.       

البرنامج النووي الإيراني مثالا

قل ما شئت عن النظام الإيراني وطبيعته، تبقى القضية حق إيران المشروع في الحصول على التكنولوجيا والمعرفة النووية، واستخدامهما في تطور الأمة الإيرانية. تأمل في قضية إيران اليوم في ضوء الدراما البروميثية التي ذكرناها سابقا. قبل كل شيء، تم التلاعب بهذه القضية من قبل مؤسسات أنجلوأمريكية حول حكومة بلير وإدارة بوش وتشيني من أجل تحويلها إلى أزمة سياسية وعسكرية عالمية. لم يكن هناك أي سبب عملي وجيه لخلق أزمة حول البرنامج النووي الإيراني، سوى رغبة الأوليجاركية المالية العالمية الأنجلوأمريكية (وكلب حراستها الإسرائيلي) في استمرار الحرب الدينية الدائمية ضد الهدف الجديد المتمثل "بالإسلام" بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. إن سبل تحري ومراقبة البرنامج النووي الإيراني للتأكد من نوايا إيران للحصول على "أسلحة نووية" كانت مفتوحة ومتاحة. لكن هذا هو ليس سبب "الأزمة".  

لكن قضية البرنامج النووي الإيراني مهمة من ناحية أخرى، للقضاء على الكثير من الأحكام الغربية المسبقة ضد الشعوب النامية والمسلمين، وكذلك الكثير من الافتراضات المغلوطة والنفاق المنتشر في الغرب خاصة في الأربعين عام الماضية. كما سيكتشف قارئ مقالات كتابنا الأمريكيين في هذا التقرير، فإنه قد تم شن حرب شعواء ضد التقدم العلمي والثقافي والصناعي في أوربا والولايات المتحدة ذاتها، من قبل نفس القوى الأوليجاركية التي تريد تدمير إيران ومنطقة جنوب غرب آسيا عموما. لقد تم شن حرب ثقافية في الغرب لغسل دماغ شعوب الولايات المتحدة وأوربا وتحريكها ضد التقدم العلمي والصناعي، وبالتالي منع انتشار التقدم والتنمية في بقية العالم، وذلك للإبقاء على تبعية تلك الشعوب للمصالح الاقتصادية في الغرب. لقد قامت حكومات بعض الدول الغربية مثل ألمانيا وإيطاليا والسويد وبدرجة ما الولايات المتحدة إما بتجميد أو وقف برامجها النووية المستقبلية بسبب الهستيريا التي أشيعت في السبعينات والثمانينات خاصة في أوساط الشباب. إن أهمية الولايات المتحدة وأوربا علميا وتكنولوجيا كبيرة بالنسبة لتطلعات التقدم العلمي في لعالم النامي. لذلك يجب تشجيع استمرار التقدم في الغرب في واقع الأمر. لأن دول القطاع النامي لم تكتمل قدراتها بما يمكنها من إنجاز تقدمها العلمي والصناعي منفردة. لذلك فإن التعاون، وليس التبعية، سيفتح آفاق التعايش والسلام بين شعوب الغرب والشرق والشمال والجنوب. كل ذلك يتطلب خلق نظام اقتصادي عالمي عادل وجديد للتعاون بين شعوب الدول الوطنية المستقلة ذات السيادة.

إن مقولة "أن إيران ليست بحاجة إلى الطاقة النووية لأنها تملك النفط والغاز"، ليست فقط مقولة غبية من الناحية العلمية والاقتصادية، بل أنها تحمل معها آثار العنصرية الأوربية ضد العرب والمسلمين وكل من كان ذا بشرة أكثر سمرة. فالصورة النمطية للعربي أو المسلم التي خلقها الإعلام المغرض، لاصقة باللاوعي عند العديد من الأوربيين والأمريكان للأسف. ولن يغير ترديد العرب كالببغاوات لتلك المقولات في تغيير تلك الصورة. إن إيران أمة كبيرة ولها تاريخ موغل في القدم وقدمت الكثير عبر تاريخها ماقبل الإسلامي والإسلامي لتقدم الحضارة العالمية. إن سكانها الثمانين مليون قريبا، ومعظمهم من الشباب، لديهم احتياجات هائلة من الطاقة والمياه والتكنولوجيا الصناعية والزراعية والطبية. إن من حق شعب إيران الشرعي أن يمتلك ناصية تلك المعرفة التي اكتشفها وطورها الإنسان بإجازة وترخيص من خالق الكون، وليس لأحد من البشر أن يحتكرها أو يمنعها عن أحد.

 إن من مصلحة الدول العربية والغرب أن يشجعوا إيران ودول أخرى أن تسير في نهج التقدم العلمي والصناعي. لقد أسعدنا أن يكون الجواب على مطالبتنا (في تقريرنا السابق) الدول العربية بالتوجه نحو التكنولوجيا النووية كطاقة وتكنولوجيا للمستقبل، إعلان دول مجلس التعاون الخليجي واليمن عن نيتها البدء ببرامج نووية جادة. ونرجو أن لا يكون ذلك مجرد دعاية للاستهلاك الداخلي في ظل الظروف السياسية التي تمر بها المنطقة حاليا.

مثل برنامج كندي للهبوط على القمر

بقلم ليندون لاروش

Lyndon H. LaRouche

27 سبتمبر 2006

(تقديم لمقالة الدكتور جوناثان تينينباوم عن اقتصاد النظائر)     

 إن نشر بحث الدكتور جوناثان تينينباوم في هذا العدد من مجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو، يهدف إلى مساعدة حكومات القارة الاوراسيوية وغيرها في تحضيرها للمناقشة التي ستجري قريبا في مؤتمر دولي يعقد في كل من واشنطن وبرلين (*1) بالتزامن في 31 أكتوبر. قد لا يكون معظم السياسيين والمسؤولين الذين سيحضرون المؤتمر من المختصين في المجالات المذكورة للفيزياء النووية، إلا أن التوصيات السياسية التي يطرحها الدكتور تينينباوم هي من نوع التوصيات التي ينبغي أن توضع على الأجندة العالمية ليتم تبنيها وتنفيذها فورا.

في ضوء حقيقة كون المؤسسات العالمية المالية والنقدية الحالية غارقة في مصيدة عملية انهيار وانحلال متسارعة، فلا بد من وضع البدائل المناسبة الآن في مركز النقاش. يهدف هذا المقترح إلى تبنيه في المدى المنظور كأداة إرشاد للسياسات. على هذا يمكننا تعريفه باعتباره نواة جوهرية في علمية تنظيم بديل قابل للحياة وطويل الأمد لما نشهده من انهيار للنظام العالمي الحالي.

إن القضية المطروحة هنا، كما شددت على ذلك مرارا في مناسبات رسمية وغير رسمية، هي أن المعدل المتسارع لاستهلاك البشرية للموارد المعدنية الأولية وغيرها من الموارد في المجال الحيوي (البيوسفير) سيتطلب منا أن نتوجه نحو أبعاد جديدة من الإجراءات من أجل استخدام وإعادة ملئ احتياطياتنا مثل المياه الصالحة للشرب وغيرها من الموارد على كوكبنا. إن الجهود المبذولة لتقنين ما يظن أنها كمية ثابتة من احتياطي ما تسمى الموارد "الطبيعية" هي جهود زائفة، وأكثر من ذلك هي الآن عقيدة خطرة. فبدلا من اعتبار الموارد ذات العلاقة على كوكبنا على أنها كمية محدودة، علينا أن نحمل على عاتقنا مسؤولية قيام الإنسان بخلق الموارد الجديدة التي ستكون أكثر من كافية لسد حاجات عدد متزايد من سكان العالم وذلك بمستويات متحسنة للإنتاج المادي لكل فرد والاستهلاك.       

كما يوضح الدكتور تينينباوم المسألة، يمكن القول أن أنواع التقنيات التي ستكون كافية لسد الاحتياجات المذكورة للمستقبل المنظور للعنصر البشري هي تقنيات معروفة مسبقا. القضية هي أن ندخل ذلك الخيار إلى الممارسات العلمية التي يجب تغييرها نوعيا. هذه هي التقنيات التي يجب الاسترشاد بها لاستبدال الممارسات المفلسة التي دأب عليها الناس في العقود الأخيرة الماضية. 

إن الغرض من نشر دراسة الدكتور تينينباوم في هذا العدد من المجلة هو تقديم نصيحة جيدة في الوقت المناسب للأمم التي سيشارك ممثلوها البارزون في مؤتمر برلين-واشنطن الذي تنظمه لجنة لاروش للعمل السياسي.

ملاحظة:

*1 توجد محاضر المؤتمر المذكور للقراءة وأيضا المشاهدة على موقع لجنة لاروش للعمل السياسي:

www.larouchepac.com

 

اقتصاد النظائر

بقلم د. جونثان تينينباوم

Dr. Jonathan Tennenbaum

تمهيد (*1)

إن موضوع هذه المقالة هو مكوّن أساسي من مكونات التعبئة الاقتصادية التي من المفترض أن تنطلق في المستقبل القريب إذا كنا نريد أن ننقذ العالم من الانهيار المادي والاجتماعي والسياسي الوشيك الذي لا يمكن أن يقارن بشدته على مستوى عالمي إلا مع ما حصل في أوروبا في الفترة السابقة لانتشار "الطاعون الأسود" في القرن الرابع عشر الميلادي.

المشكلة الأساسية المطروحة هنا هي كيف يمكننا التغلب على آثار التدمير الوحشي للإمكانيات الصناعية والعلمية ـ التكنولوجية العميقة, وأيضاً على المستوى التدريسي ومهارة القوى العاملة وقدرتها الإدراكية وهو التدمير الذي تم في كبرى الدول الصناعية في كل من الشرق والغرب من خلال سياسات العولمة وإعادة الهيكلة والخصخصة و "العلاج بالصدمة" و "المجتمع ما بعد الصناعي" خلال العقود الماضية.

إن أي برنامج جاد للتعبئة الاقتصادية وإعادة البناء يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار حقيقة أن المخزون الوحيد والأكبر والمرتبط حيويا بأعلى مستويات البحث العلمي والتكنولوجي والعمالة ذات التقنية المتقدمة والإمكانية الصناعية على كوكبنا يوجد داخل وحوالي قطاع الطاقة النووية لكلٍ من الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا واليابان وألمانيا وفرنسا والهند والصين وجنوب أفريقيا والأرجنتين والبرازيل وغيرهم. كما يوجد في مجالات مثل الفيزياء الفضائية وتكنولوجيا الفضاء والجيولوجيا والكيمياء العضوية المرتبطة ببحوث وتطبيقات الفيزياء النووية. ونظرا لطبيعة العلم النووي وجذوره وتاريخه وحاجات العالم في الخمسين سنة القادمة، فإن تعبئة القطاع النووي العالمي كرائد ومحرك للتعبئة الاقتصادية العامة للدول الرائدة في العالم لا بد وأن تتخذ شكلا خاصا.      

بعد مناقشات مع ليندون لاروش (Lyndon LaRouche) ومع س. سوبوتين (S. Subbotin) من معهد كورشاتوف  ومع إ ف. غاريف (F. Gareev) في المؤسسة الموحدة للبحث النووي في دوبنا, فقد اخترت أن أسميه "اقتصاد النظائر" ("Isotope Economy").

قبل ما يقارب قرن من الزمان برهن الباحثون اختباريا على أن العناصر الكيميائية الحادثة طبيعياً، والتي وضع ديميتري مينديليف (Dmitrii Mendeleyev) ترتيبها المتناسق في جدوله الدوري، لم تكن أجساما متجانسة بل أخلاطا لأنواع مميزة من الذرات ـ نظائرـ  ذات سلوك كيميائي متطابق تقريبا ولكن بخاصيات فيزيائية مختلفة تماما.

أدى البحث في هذا " البعد الجديد " للجدول الزمني وعملية التحول للذرات المؤسسة لها, في آخر المطاف إلى اكتشاف الاندماج والانشطار وغيرهما من التفاعلات النووية، وإنجاز أول تفاعل نووي انشطاري سلسلي وأول أسلحة ذرية أثناء الحرب العالمية الثانية. واعتمدت عملية صنع هذه الأجهزة على فصل بين النظير الخالص "يورانيوم ـ235" (U-235) من اليورانيوم الطبيعي, وعلى التوليد الاصطناعي في المفاعلات النووية لأول كيلوجرام من البلوتونيوم ـ239 وهو جنس من الذرات لم يكن موجودا في بيئة الأرض الطبيعية قبل ذلك الوقت.

اليوم وبعد مضي اكثر من ستين عام على أول تفاعل سلسلي من صنع الإنسان, فإن إنتاج الطاقة على نطاق واسع من التفاعلات النووية الإنشطارية قد اصبح حقيقة في اكثر من ثلاثين دولة في العالم. يمكن تحديد ما يقارب 3000 من النظائر المختلفة، وأكثرها متولد اصطناعيا, ويستخدم اكثر من مائتين منها اليوم استخداما تجاريا. إن الرعاية الصحية الحديثة ونشاطات أخرى لا حصر لها ذات أهمية للمجتمع الحديث, ما كانت لتصبح واقعا ممكنا بدون استخدام حوالي مائة من النظائر المشعة المنتجة في المفاعلات النووية ومسرعات الجزيئات (particle accelerators).

في الوقت ذاته, غيّر إنتاج الأسلحة النووية وجه التاريخ تماماً, مؤديا إلى عهد ما يسمى بالحرب الباردة وخلق وضع أصبح فيه شن حرب بحجم الحرب العالمية الثانية أقرب إلى الانتحار عمليا. من المؤكد أن عددا قليلا حتى من بين أولئك الذين نصفهم بأصحاب الدراسات العليا اليوم من لهم علم تام بكيف وإلى أي مدى تشكل عالمنا بواسطة ما بدت في البداية وكأنها فوارق "متناهية الصغر" في سلوك العناصر الكيميائية.

مع ذلك فإن تطبيقات ما أفرزه اكتشاف الإشعاع والنظائر، الذي نما من فهم مينديليف "الكيبلري" (نسبة إلى يوهانيس كيبلر) للجدول الزمني, تفوق بكثير أي شيء شهده العالم حتى هذه اللحظة.

مثلما أدرك فلاديمير فيرنادسكي (Vladimir Vernadsky) وآخرون قبل قرن من الزمان, فإن اكتشاف مبادئ ديناميكية جديدة تفوق كيمياء الجدول الزمني ومتصلة بشدة بأصل نشوء منظومتنا الشمسية وأصل العناصر ذاتها, كان يعني إطلاق العنان لثورة جذرية في كل نواحي العلاقة ما بين الإنسان والطبيعة.

لقد وضع العلم قدرة جديدة في يد الإنسان: القوة لتوليد "نارٍ" أكثر تركيزا بملايين المرات من عملية الاحتراق الكيميائية التي كانت الأساس الرئيسي لوجود الإنسان الحضاري منذ هدية بروميثيوس الأسطورية؛ هذه القوة الجديدة كافية لإرسال سفينة تبحر عشرين مرة حول الأرض بما وزنه 55 كيلوجرام من الوقود فقط؛ وكافية مبدئيا, لإعالة مجتمع إنساني متنام أكبر عددا مما هو موجود اليوم بعدة أضعاف؛ ولكن أيضاً قوة لخلق ظروف فيزيائية على الأرض توجد فقط في النجوم وفي وسط المجرات؛ قوة تفتح الطريق في المستقبل غير البعيد لتوسيع نشاط الإنسان في أرجاء المناطق الداخلية للمنظومة الشمسية, ولاحقا في ما وراء المجموعة الشمسية.

إن بداية إتقان الإنسان للقدرة على تحويل العناصر الكيميائية وخلق حالات جديدة من المادة لم توجد من قبل على وجه الأرض وربما حتى في الكون كله, يثبت مرة أخرى أننا نعيش في كون أفلاطوني وليس أرسطوطالي. هذا كون فيه تكون العمليات هي الأساس؛ فيه لا يوجد شيء ثابت سوى التغيير ذاته, وهو كونٌ عندما نتعامل فيه مع أشياء مثل الذرات وما تدعى بالجزيئات الأساسية فعلينا أن نتحدث ليس عن "هذا" بل عن  "هكذا" (حوار طيمايوس لأفلاطون). اليوم اكثر من أي "حالة مرحلية" مضت من تاريخ الاقتصاد الفيزيائي للإنسان يعتبر ظهور ما أسميه "اقتصاد النظائر" معبرا عن ظرف توجَهُ فيه الممارسات الاجتماعية بالضرورة نحو الأفكار الحقيقية: نحو المبادئ الكونية القابلة للاكتشاف والتي تحكم عملية تغيّر وتطور الكون، لا أن تكون موجهة بالدرجة الأساس نحو الأشياء المدركة بالحواس. هذا يعني نهاية المذهب التجريبي (*) والمذهب المادي.

إن لثورة مثل هذه، معاني وتأثيرات هائلة. وتحقيقها يتعارض بوضوح مع أي تسامح مع التنظيم الاوليجاركي غير العقلاني للمجتمع, حيث أن القرارات المهمة التي تتعلق بمستقبل الأمم ومصير الإنسانية ككل تقع رهينة لأهواء عدد قليل من الأسر ذات النفوذ والتأثير بينما تعيش الأغلبية الواسعة من الناس في جهل وعبودية. إن الثورة التي أعلن عنها فيرنادسكي باعتبارها عصر مجيء المجال العقلي (النوسفير Noosphere) والذي كان يراه مترابطا مع عصر الطاقة النووية المقبل, كانت تعني مجتمعا يعيش وتتمحور نشاطاته حول رؤية بروميثية لانفسهم (نسبة للشخصية الأسطورية اليونانية بروميثيوس، انظر مقدمة هذا المنشور )؛ ذلك يعني مجتمعا يتمحور نشاطه حول الاكتشاف العلمي الخلاق, مثلما تتمحور الكواكب حول الشمس. ذلك يعني شعبا متعلما تعليما عاليا وقادرا على حكم نفسه بالتشاور، ومنظما على أساس فهم العلاقة الديناميكية بين الفرد المستقل المبدع ذي السيادة والدولة المستقلة ذات السيادة، وعلى مصلحة الإنسانية ككل. باختصار، هذه كانت الفكرة للمجتمع التي كانت لدى لايبنتز و "بروميثيوس الامريكي" بينجامين فرانكلين (ضع صورة لفرانكلن وهو يجري تجاربه) في تصميمه لأول لجمهورية في العالم الجديد (أمريكا).

هذه النظرة لمستقبل الإنسانية ألهمت التفاؤل الهائل الذي ربطه الناس حول العالم مع الطاقة النووية  ـ "الذرة في خدمة الإنسان" ـ في الشرق والغرب والشمال الجنوب. الرد على هذا التحدي جاء من قبل الأوليغاركية التي تنوي أن تكون مثل " آلهة الاوليمبوس", وكان واضحاً ووحشياً. منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي ولاحقاً, شنت حرب نفسية وسياسية واسعة على المؤسسات والمجتمعات الصناعية وضد فكرة التقدم العلمي والتكنولوجي. إن الهجوم الذي ركز على الولايات المتحدة وبريطانيا واوروبا الغربية, كان قد أعلن عنه مسبقاً من قبل بيرتراند راسل (Bertrand Russel) ودوائره (** اقتباس من برتراند راسل حول النمو السكاني), وطبق من قبل المؤسسات المالية الانجلوأمريكية ووكالات الاستخبارات المقربة من العائلة الملكية البريطانية والدوائر الاوليغاركية على القارة الأوربية.

هذه الهجمة كانت هي الأساس في أصل انتشار "الثقافة المضادة" للشباب المتمثلة بثقافة موسيقى الروك والمخدرات والإباحية الجنسية, وحركة اليسار الجديد وثورة الطلاب عام 1968, والترويج المالتوسي (نسبة إلى توماس مالتوس) لسياسة "حدود النمو" لنادي روما وأيضاً حركة البيئيين "الخضراء" حول العالم. لقد اختارت هذه القوى {الطاقة النووية}, التي هي تجسيد للتقدم العلمي والتكنولوجي وإحدى أهم التكنولوجيات في مجال تطور العالم في فترة ما بعد الحرب, اختارته كهدف رئيسي لهجمتها.

 بالتوازي مع تنامي حملة التخويف ضد الطاقة النووية, تم تطبيق إجراءات حكومية لوقف انتشار وتطوير الطاقة النووية عالميا: فقد بدأت إدارة الرئيس جيمي كارتر بعكس مسار سياسة الرئيس دوايت آيزنهاور المسماة "الذرة مقابل السلام" 180 درجة. فقد حاولت فرض قرار لحظر الصادرات النووية إلى الدول النامية تحت ذريعة "منع الانتشار". وقد عملت الإدارة على تفكيك إمكانيات البحث النووي المتقدمة للولايات المتحدة ذاتها, ولتأخير أو إيقاف, إن أمكن، تحقيق عمليات الدمج النووي كمصدر مستقبلي للطاقة.

أما برامج الطاقة النووية الطموحة للبرازيل والأرجنتين والمكسيك وغيرها من الدول النامية وأشكال التعاون بين الشمال والجنوب المتمثل في الاتفاقية الطويلة المدى بين ألمانيا والبرازيل فقد تم تحطيمها عملياً من قبل إدارة كارتر وخلفائه.

في خضم الهستيريا الإعلامية الواسعة المضادة للطاقة النووية في الثمانينات, أغلق البرنامج النووي الألماني الذي كان الرائد في تصدير ونقل التكنولوجيا النووية, بالإضافة إلى البرنامج النووي السويدي الذي كان اصغر و لكن بنفس القدر من الأهمية، والبرنامج الإيطالي وعدد من الدول الأخرى. بسقوط الاتحاد السوفيتي وما تلا ذلك من التدمير والسرقة الوحشيين للإمكانيات العلمية والتكنولوجية والصناعية للأمة الروسية ألغي أكبر قطاع نووي خارج الولايات المتحدة من الوجود تقريبا, ليسترجع جزئياً في الفترة الأخيرة فقط.  

كل هذا التدمير واكثر وعد به بيرتراند راسل العالم في كتاباته المضادة للعلم بشدة خلال الأربعينيات والخمسينيات. وتمادى راسل في عام 1949 إلى درجة اقتراحه بإسقاط قنابل نووية على الاتحاد السوفيتي, في حال رفض السوفيت الخضوع لحكومة عالمية لديها احتكار مطلق للتكنولوجيا النووية. حجة راسل الأساسية  ـ وهي وجود دول مستقلة ذات سيادة حقيقية "كانت أخطر" من أن يتم السماح بوجودها في عصر الأسلحة النووية  ـ ما تزال هي أساس استخدام ما يدعى "حظر الانتشار" كذريعة لإنكار الحق الكامل لكل الدول والشعوب في استغلال ثمار التقدم العلمي والتكنولوجي.

و يبقى ذلك هو الأساس لنظام "فصل عنصري تكنولوجي" موجه أولاً و أخيراً ضد شعوب ما يسمى العالم الثالث. ولكن محاولات الأوليغاركية لخنق الثورة النووية كانت قد بدأت حتى قبل اكتشاف الانشطار في الأعوام 1934-1938 بكثير. فقد فضحوا أنفسهم عبر عملية الاضطهاد المدبرة المعادية للسامية للعالمة البولندية الأصل الكاثوليكية بالولادة ماري كوري (Marie Curie) في فرنسا, وعبر المعارضة المريرة لاكتشاف ماكس بلانك (Max Planck) في بداية القرن العشرين, وفي التصرف المشابه لأعمال المافيا والابتزاز الذي مارسه نيلز بور (Niels Bohr) وآخرون تجاه شرودينغر (Schrödinger) وألبرت آينشتاين في مؤتمر سولفاي (Solvay Conference) في عام 1927.

قام بور وآخرون علنا بتحريم أي نوع من التفكير الذي يتعارض مع مذهب "التكامل" (complementarity) والخاصية المبهمة إحصائيا وجوهريا المزعومة للعمليات الميكروفيزيائية. في معارضتهم لآينشتاين وشرودينغر وغيرهم من الذين بحثوا عن تصور مفهوم المبدأ الأعلى المؤسس لما يبدو ظاهريا خاصية غير متواصلة (discontinuous character) للظواهر الكمية، قام بور وبورن (Born) وباولي (Pauli) وآخرون بالتشديد تعسفيا على أن الواقع على مستوى الفيزياء المجهرية المصغرة يستعصي جوهريا على قدرات الفهم في عقل الإنسان!

هذا الهجوم المكشوف والهمجي على المبدأ الإبداعي في العلم, وهو الهجوم المدعوم من قبل الاوليغاركية التي بدأت تبسط سيطرتها على تمويل البحث العلمي خاصة في أعقاب الحرب العالمية الأولى, خدم الغرض الواضح المتمثل بتحطيم ما تبقى من الروح البروميثية لعلم الفيزياء الذي أعيد إحياءه في عصر النهضة, ومن أجل جعل العلم أسيرا لأجندة الاوليغاركية. بقدر ما تعلق الأمر بالحاجة إلى ثمار البحث العلمي للأغراض العسكرية وغيرها من الأهداف "الخاصة"، كان يتم السماح للعلماء بالعمل, ولكن يجب عدم السماح لهم أن يفكروا بطريقة إبداعية حقيقية. فلقد أعادت الاوليغاركية نفس التكتيك الذي تم استخدامه من قبل لإرسال لابلاس (Laplace) لتحطيم دوائر مونج (Monge) وكارنو (Carnot) وتحويل الأكاديمية العلمية الفرنسية "ايكول بوليتكنيك" البروميثية إلى أداة للتوسع الإمبريالي تحت حكم نابليون.

كنتيجة لذلك تم وضع تفسير الفيزياء النووية النظرية على يد "حضانة أطفال" مكونة من علماء شباب متمكنين ولامعين في واقع الأمر إلى ما أصبح عليه ذلك العلم إلى هذا اليوم وهو: خليط بطليمي (نسبة إلى بطليموس) من النماذج الرياضية المتناقضة والشكليات الرياضية والإجراءات الإحصائية, التي من الممكن أن تكون في غاية الأهمية ولا يمكن الاستغناء عنها أحيانا في بعض المجالات التطبيقية ـ مثل صناعة القنابل! ـ ولكنها لا تحمل في طياتها أي مفهوم عقلاني لطبيعة الكون.

ليس من قبيل المفاجئة انه في خضم التطورات العاصفة المؤدية إلى اكتشاف الانشطار النووي, كانت "النظرية" المزعومة متخلفة بأشواط وراء العمل الإختباري الذي كان المحرك الحقيقي لعملية التطور. إن اكتشاف الانشطار النووي نفسه كان قد تم تأخيره أربع أعوام كاملة لأن هذه العملية كانت في نظر المنظرين "مستحيلة". إن التطور اللاحق والسريع للتكنولوجيا والعلوم النووية, منذ مشاريع القنبلة أيام الحرب العالمية الثانية وحتى تحقيق الطاقة النووية المدنية والكم الهائل والمتنوع من التطبيقات الطبية وغيرها من استخدامات النظائر، هذا التطور تم دفعه بشكل شبه كلي إلى الأمام غالبا على يد أناس مدربين في الكيمياء الفيزيائية والجيوكيمياء والمجالات المتعلقة من العلم الطبيعي ذات التوجه الصناعي.

أولئك الناس, الممثلين بأشخاص مثل ويليام هاركنز (William Harkins) والزوجين نوداك (Noddack) أو فيرنادسكي, غالباً ما كانوا يكرهون السفسطائية الرياضية للنظريين الذين رفعوا إلى مستوى "كبار كهنة العلم".

لكن وضعية الفيزياء النووية اليوم ناجمة بقدر كبير عن الضغوط الخارجية المفروضة على العلم وعلى كثير من العلماء اللامعين في سياق مشاريع القنابل أيام الحرب العالمية وما تلاها من "حرب باردة". إن إخضاع بعض المجالات الأكثر ثورية من البحوث الأساسية في العلوم الفيزيائية للأهداف العسكرية وفرض أنظمة التكتم المتشددة والسرية في كل من الشرق والغرب مما منع التبادل الحر للأفكار العلمية ونتائج التجارب، أمور لم تكن مسبوقة في تاريخ العلوم الممتد لآلاف السنين. كان لهذه الظروف تأثير مدمر على الاستقامة الفكرية للعديدين بين ألمع العلماء، وعلى التطور الحيوي للعلم ككل.

بالرغم من أن الأهمية العسكرية للمجالات العلمية المتقدمة, مثل الفيزياء النووية, سبب في أن كثير من الموارد الهائلة تخصص لهذا الهدف, إلا أن البيئة المحكمة التي كان يعمل في داخلها العلماء, قد أصبحت عائقا قويا وأساسيا أمام التطور العلمي. هذا لم يكن مجرد عَرَض جانبي. إذ أنه تحت السياسات التي روج لها راسل وزيلارد (Szilard) وغيرهما, والتي اصبح اسمها لاحقا "توازن الرعب النووي" و "الدمار الشامل المتبادل" اصبح كبت الاكتشافات الأساسية من السياسات المعتمدة المقصودة في إدارة البحث العلمي! الحجة الأساسية لجناح راسل كانت كالتالي: حالما تتمكن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كلاهما من امتلاك أعداد كافية من الرؤوس الحربية النووية وأنظمة الإطلاق لتكبيد الطرف الآخر خسائر كارثية ولو كان ذلك بعد الهجوم الأول من الطرف المعاكس, فسيتحقق "استقرار" من نوع ما عن طريق الردع المتبادل, وهو ما يجب المحافظة عليه بأي ثمن ضد أي تشويش.

بناءً على ذلك, كان ينبغي على الطرفين أن يتفقا على أن لا يتبعا اتجاهات معينة في البحث والتطوير التي من شأنها أن تقلب قوانين اللعبة. حملت هذه السياسة معها، بالضرورة، عواقب مدمرة منها أن احتمال حدوث ثورات جذرية علمية سوف ينظر إليه أكثر فأكثر كتهديد للتوازن الاستراتيجي وبالنتيجة كتهديد للأمن القومي! هذه النظرة , أي نظرة أن بروميثيوس يجب أن يبقى مغلولا بالسلاسل من أجل مصلحة المحافظة على الاستقرار الاستراتيجي, قد أصبحت سياسة حكومية عبر تفاهمات تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عبر مؤتمر "باجواش" (Pugwash) الذي وقف وراءه بيرتراند راسل وغيره من "القنوات الخلفية" السرية التي ترجع إلى فترة ما بعد عام 1957 من حكم كروتشيف, وتمثلت لاحقاً في اتفاقية "الحد من الصواريخ البالستية" (ABM Treaty) التي تفاوض فيها هينري كيسينجر.

هكذا أصبح من المفترض أن يكون التسابق بين القوى العظمى محصورا في نطاق ضيق لاتجاهات "مسموح بها" ـ مع شيء من الغش على الطرفين بالطبع ـ بينما يتعاون الاثنان على منع أي دولة ثالثة من تطوير إمكانيات علمية أو تكنولوجية "خطيرة". إن الكبت النشيط للاكتشافات العلمية عبر البيروقراطية وغيرها من الوسائل تم تنفيذه ليس فقط على مجال الفيزياء النووية المرتبط مباشرة بالأسلحة النووية وأنظمة إطلاقها والطرق الممكنة للدفاع ضدها, بل وأيضاً إلى مجالات ثورية في الفيزياء البيولوجية (الكهرومغناطيسية الحيوية) وحقول كثيرة من العلوم.   

هذه التفاهمات الأمريكية السوفيتية أطّرت الأحداث العالمية خلال الفترة كلها حتى انهيار الاتحاد السوفيتي. ووصلت تأثيراتها حتى إلى صفوف المدارس. فعلى سبيل المثال، فتحت هذه السياسات الطريق أمام "الإصلاحات" الدراسية الليبرالية في الستينيات في الولايات المتحدة ودول الناتو التي حطت من دور "علم الفيزياء" في التعليم العام لصالح ما يدعى العلوم الاجتماعية, ومن اجل الهجوم لاحقاً على مفهوم التطور العلمي والتكنولوجي. مع تأسيس "المعهد العالمي لتحليلات النظم التطبيقية" (International Institute for Applied Systems Analysis-  IIASA ) كمشروع مشترك لعناصر المؤسسة الأنجلوأمريكية والمؤسسة السوفيتية خرج المفهوم الاوليغاركي المختبئ وراء التفاهمات والترتيبات المشتركة بين الطرفين إلى العلن: وهو إدارة العالم عبر طرق مناهضة ضمنياً للدافع البروميثي للعلوم. أخفق الكثيرون في الطرف السوفيتي في إدراك أن محو الاتحاد السوفيتي وخاصة إمكانياته العلمية والتكنولوجية المتقدمة, كان أول نقطة على قائمة الأهداف.

المحاولة الوحيدة الفعلية لتحرير العالم من هذه السياسات, كانت كفاح ليندون لاروش لخلق تغيير جذري في العلاقات الاستراتيجية بين القوتين النوويتين, عبر التوصل إلى تعهد مشترك لتطوير واستخدام أنظمة دفاع مضادة للصواريخ البالستية مبنية على "مبادئ فيزيائية جديدة" (يرمز إليها أحيانا باسم أسلحة الطاقة الموجه أو الأسلحة الشعاعية). كان ذلك كفيلا بأن يلغي مذهب "التدمير المتبادل المؤكد"، ونتيجة لذلك أن يقضي على جميع ألاعيب بيرتراند راسل و زيلارد، كما سيسمح في الوقت ذاته للدولتين بالتحرك نحو اقتصاد "موجه علميا" تعود فيه التأثيرات الجانبية المدنية الثورية للبحث في "المبادئ الفيزيائية الجديدة" أضعاف مضاعفة كثمرة للاستثمار في أنظمة الدفاع العسكرية.

وللأسف, رفض السكرتير العام للاتحاد السوفيتي يوري اندروبوف المقترح الذي تقدم به لاروش عبر قنوات اتصال خلفية مع السوفيت بمعرفة إدارة الرئيس رونالد ريجان. بعد ست سنوات انهار الاتحاد السوفيتي كما حذر لاروش المفاوضين السوفيت, إذا تم رفض مقترحه (*3). إن سياسة تدمير القدرات العلمية والصناعية السوفيتية تسارعت من تلك اللحظة. لكن بنهاية الحرب الباردة, لم تعد الحاجة لتكملة الاستثمارات الكبرى في العلوم المتقدمة والتكنولوجيا في الولايات المتحدة وأوروبا, من وجهة النظر الأوليجاركية، موجودة. كما لم تعد هناك حاجة إلى الحفاظ على قاعدة صناعية متكاملة موجودة. فشرعت الأبواب أمام تفكيك الصناعة ونقل عمليات الإنتاج الصناعي إلى دول "العمالة الرخيصة", بالتزامن مع نمو فقاعة مالية عملاقة في النظام المالي. بالنسبة لاكثر الشباب الذين نشئوا في الدول التي كانت صناعية سابقا, أصبحت فكرة التقدم العلمي والتكنولوجي في أحسن الأحوال جزءا من ذكريات المضي البعيد.     

لقد وصلنا الآن إلى نهاية الدورة. إن تدمير قسم كبير من الإمكانيات العلمية والصناعية الكاملة للبشرية وفقدان أكبر جزء من عمالتها المؤهلة ذات المهارة وتجهيل شعوب الدول الصناعية سابقاً, إن لم يتم عكس مساره قريبا، فسوف يكتب على الاقتصاد العالمي الانهيار الفيزيائي المحتم. ليس هناك أية طريقة أمام دول العالم النامية, وبضمنها الصين و الهند مع العدد الكبير من الفقراء بين شعوبهم, لأن يتمكنوا من توليد التكنولوجيا التي يحتاجونها للعيش على المدى الطويل بدون إعادة إحياء القدرات العملية والصناعية في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، تلك الإمكانيات التي ميزت العقود الأولى من التنمية بعد الحرب العالمية الثانية.

يشهد العالم حالياً المراحل الأولية من عملية إعادة إحياء الطاقة النووية, التي تشمل ليس دولا كبرى في القطاع النامي فحسب مثل الصين والهند وجنوب أفريقيا والأرجنتين والبرازيل وغيرها، ولكن أيضاً روسيا وحتى دول القطاع المتقدم الغربية مثل الولايات المتحدة, التي في الحقيقة هجرت برنامجها النووي الذي كان طَموحاً سابقا, لأسباب إيديولوجية غبية, منذ أكثر من ثلاثين عام. إذا لم ينحدر العالم إلى عصر ظلام و فوضى وحروب, فإن هناك فترة قادمة مخطط لها من البناء الهائل والطويل الأمد للطاقة النووية، حتى إذا أخذنا بنظر الاعتبار فقط ناحية السرعة والحجم وتوسع الطلب على الكهرباء وغيرها من موارد الطاقة والحاجة إلى تجديد أجزاء كبيرة من قدرات إنتاج الطاقة الموجودة حالياً والتي على وشك بلوغها نهاية مدة حياتها العملية.    

لكن برغم ذلك، فإن العالم اليوم هو ليس على نفس الحال كما كان عليها حينما أُجهِض تطوير الطاقة النووية قبل ثلاثة عقود. حتى بوجود التزام كامل ببرامج بناء محطات الطاقة النووية فإن هذا لا يمكن أن يعوض عن الخراب البالغ الذي لحق بالاقتصاد العالمي وحتى الحضارة الإنسانية عامة نتيجة للتخريب المتعمد لتطور الطاقة النووية وما رافقه من حرب ضد الحضارة الصناعية التي كانت التقنية النووية من أهم عناصرها الرائدة. إن الكثير من الإمكانيات العلمية والهندسية التي كانت موجودة يوما ما في الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا وإيطاليا والسويد وغيرها من الدول لم تعد موجودة الآن. يجب أن يعاد بناؤها مرة أخرى في عملية قد تستغرق جيلا أو اكثر.

في ذات الوقت تقف التحديات الكبرى التي تواجه الإنسانية, وهي ذات التحديات التي رآها مهندسو عملية تطوير الطاقة النووية تلوح في الأفق قبل 50 عام, على عتبة بابنا: الحاجة لإنتاج كميات كبيرة من الماء العذب عبر تحلية مياه البحر أو عبر طرق اصطناعية اخرى؛ الحاجة للاستعاضة عن حرق المنتجات البترولية عبر مزيج من إنتاج الطاقة الكهربائية والمحروقات الصناعية المبنية على أساس الهيدروجين؛ الحاجة لاستخدام كثافة طاقة اكبر لاستخراج وتعدين وإعادة استعمال المواد الأولية الأساسية, وأكثر من ذلك.

لتلبية كل هذه المتطلبات, يجب إطلاق مرحلة ثورية وجديدة من عمر تطوير الطاقة النووية الآن. إنني أعمد هذه المرحلة باسم "اقتصاد النظائر" (Isotope Economy).

ما هو اقتصاد النظائر؟

إن السياق المباشر لظهور " اقتصاد النظائر" هو العملية الانتقالية التي بدأت الآن في الاقتصاد الفيزيائي العالمي من الدور المسيطر الحالي للوقود الأحفوري إلى الطاقة النووية كقاعدة رئيسية لأنظمة إنتاج الطاقة عالميا, في ما يتعلق بتوليد الكهرباء وبالتدريج توليد الحرارة المستخدمة في العمليات الصناعية وإنتاج الوقود الصناعي المبني على الهدروجين لتغطية نسبة متعاظمة من استهلاك الوقود الكيميائي. إن هذه المرحلة الأولية تعتمد على مفاعلات الانشطار النووي مع التشديد المتزايد على المفاعلات ذات الحرارة العالية (المبردة بالغاز أو المبردة بالمعادن السائلة, أنظمة النيوترونات البطيئة والسريعة), ودورة وقود متكاملة ذات عمليات شاملة لإعادة تصنيع وتدوير المواد القابلة للانشطار، واستخدام الثوريوم بالإضافة إلى اليورانيوم والبلوتونيوم.

يشتمل الموجود الضروري من المفاعلات الانشطارية على نطاق واسع من التصاميم المختلفة للمفاعلات ومنها ذات الأحجام الصغيرة المصنعة على حزام التجميع النمطي، وكذلك وحدات المفاعلات ذات العيار الكبير ذات التصميم الفردي الخاص، والمفاعلات المحسنة بشكل مختلف من اجل الاستخدام كمولدات كهرباء أو مصادر للحرارة الصناعية من اجل تحلية المياه ومن اجل إنتاج وقود هيدروجيني وغيره من أنواع الوقود الاصطناعي، والمفاعلات الخاصة باستيلاد (breed) الوقود النووي الانشطاري والتحويل الكيميائي (transmutation) للنفايات النووية إلى وقود يستخدم لتسيير السفن وغيرها. وستلعب المفاعلات التي لا تحتاج لأي إشراف أو إلى القليل منه فقط وتشتغل لفترات طويلة بدون إعادة شحن الوقود ـ ما تسمى "البطارية النووية" ـ ستلعب دورا مهما في المناطق النائية والمناطق النامية في العالم.

هذا التحول إلى الطاقة النووية كقاعدة لأنظمة الطاقة العالمية يستوجب بناءا وتحشيدا هائلا للإمكانيات الصناعية لفرز النظائر ولإعادة تصنيع المواد النووية, مع التركيز على استخدام التقنيات الثورية المبنية على البلازما والليزر. هذا البناء الأخير سيوفر بدوره نقطة انطلاق فورية لظهور "اقتصاد النظائر".

يتميز "اقتصاد النظائر" بأربعة مميزات مترابطة:

أولاً: اقتصاد النظائر يعني إدماج كل النطاق المفتوح من الأنواع الفردية للذرات المعروفة "بالنظائر" التي  يوجد منها 3000 نوع معروف اليوم, في الاقتصاد كأدوات متميزة تماما للنشاط البشري. بذلك سيتم تجاوز الـ 92 عنصرا أو أكثر الموجودة في الجدول الدوري لمينديليف في النشاط الاقتصادي الواسع إلى نظام للنظائر المشعة متعدد الأوجه ومعقد بشكل لا يقبل المقارنة.

في البداية ستتركز هذه التطورات على مجموعة ضمنية تتكون من حوالي 1000 من النظائر ذات المدى الحياتي الطويل نسبياً والمعروفة اليوم. لكن بعد ذلك, سينمو هذا الرقم, ومع ابتكار الوسائل الجديدة سيمكن تمديد فترة الحياة حتى للنظائر ذات العمر القصير جداً, وتعديل أو إزالة النشاط الإشعاعي للنويات غير المستقرة لجعلها صالحة للاستعمال اقتصادياً عبر "ربطها" في بنى هندسية فيزيائية مناسبة.

في ذات الوقت، سيوسع "اقتصاد النظائر" نطاق النظائر ليتجاوز ما هو معروف اليوم من نظائر ويأخذنا إلى أعماق نطاق العناصر الثقيلة جداً (ماوراء اليورانيوم) ونظائر غريبة مثيرة للعناصر الموجودة حاليا. كل نوع من هذه الأنواع يمثل حالة مفردة للكون: كلٌ منها يحتوي على حزمة فريدة من الخاصيات وحالات الشذوذ بالنسبة إلى الآخرين, مما يثري طيف درجات الحرية في عملية تطوير البشرية والكون.

ثانياً: سيتغير أسلوب ونمط الاستغلال الاقتصادي للنظائر المشعة ذاتها بشكل جذري, وسيمتد إلى ما وراء طرق الاستخدام السائدة اليوم كمصدر لتأيين الإشعاع وكعناصر استشفافية وكأدوات للبحث العلمي المتخصص, ليتجه نحو التركيز على التطبيقات الأوسع لعمليات "الدوزان" الدقيق (fine tuning) الرائع لما هو دون الذرة فيما يخص كل من المجال اللاعضوي وكذلك بالنسبة إلى الدور الخاص للنظائر في مجال العمليات الحية. إن ما يتبوأ أهمية خاصة وفورية في المرحلة الأولى من اقتصاد النظائر هو الاختلافات في الخاصيات الكتلية وفوق كل شيء الخاصيات المغناطيسية لنويات النظائر التي تتفاعل مع بعضها البعض ومع البنى الألكترونية في محيطها عبر عمليات يشار إليها اليوم "كتفاعلات شديدة الدقة" و "الرنين المغناطيسي النووي". من الممكن مقارنة هذا التطور بشكل مفيد مع إدخال مبدأ "التعديل النغمي الحسن" (well-tempering) إلى الموسيقى الغنائية المتعددة الأصوات (polyphony), حيث يؤدي تغيير صغير في نبرة الترتيل إلى بروز تداخلات صوتية جديدة بين الأصوات وضمنها, مما ينتج قدرة أعظم على توصيل الأفكار.  

عبر الاستغلال الأقصى للمعاني الضمنية لحالة الغموض التي ظهرت في الكيمياء مع اكتشاف النظائر المختلفة للعنصر نفسه, فإن الإنسانية ستفتح أمامها "مستوى أعلى من الأعداد الأصلية" من الإمكانيات، أعظم بما لا يقارن مع الازدياد الرقمي البحت للأنواع الذرية القابلة للاستغلال التي ذكرناها أعلاه. فعلى سبيل المثال، إذا كنا نصنع جزيئة عضوية ذات أربع ذرات كاربون في أوضاع غير متوازية (non symmetric)، ومن ثم من خلال الاختيار لكل "كاربون" أي واحد من النظيرين المستقرين C-12  أو C-13 سنحصل على 16 جزيئة مختلفة لديها نفس التركيب الكيميائي ولكن بخاصيات مغناطيسية وغيرها من الخاصيات "المدوزنة بدقة". إذا أضفنا النظير C-14 الطويل العمر, فسوف يصعد العدد إلى 81. وإذا، إضافة إلى ذلك، كانت هناك 5 ذرات هيدروجين في الجزيئة, فمن خلال الاختيار بين هيدروجين عادي أو النظير المستقر "الديتريوم", فستكون النتيجة الحصول على 2592 جزيئة مختلفة!

"المواد المعدلة نظائرياً" المصنعة من نظائر خالصة او تركيبات مختارة منها وتحتوي على خاصيات فيزيائية "مشتركة" وجديدة, ستبدأ بالحلول محل المواد الاكثر بدائية المستخدمة اليوم في النشاط الانساني.

بعض هذه المواد هي قيد التطوير حاليا. إلى جانب خاصياتها الحرارية والمغناطيسية والكهربائية والميكانيكية الخاصة, ستلعب هذه المواد دورا أساسيا في تحقيق أشكال جديدة من الطاقة النووية وفي توليد واستخدام الإشعاعات ذات الموجة القصيرة جداً مثل ليزر شعاع غاما (gamma-ray laser). في الوقت ذاته تقف الإنسانية على عتبة تطور ثوري في العلوم البيولوجية والطب متعلق بفهم الماهية التي يعبر فيها الاختلاف الأساسي ما بين العمليات الحية وغير الحية (ذلك الفرق الذي برهن عليه بأوضح برهان كل من لويس باستور وفيرنادسكي) عن نفسه على المستوى مادون الذري. بينما لا نستطيع اليوم التكهن كيف سيكون شكل هذه الثورة, إلا أننا نعرف أن هذا سيكون له علاقة مباشرة مع الدور الذي تلعبه النظائر في العمليات الحية, وسوف تؤدي إلى تحول كمي ونوعي في استخدام النظائر, ليس في مجال البيولوجيا والطب فحسب، بل وحتى في الزراعة و إدارة المحيط الحيوي (البيوسفير) ككل. فمن الوارد جدا أنه عبر تغيير التركيب النظائري للنباتات والحيوانات والإنسان والتحكم به, فإنه من الممكن أن يحصل الإنسان على أنواع مفيدة من التأثيرات، وأنه في المستقبل القريب سوف يتم إنتاج كميات كبيرة من المواد المخصبة نظائرياً لهذه الغاية.

ثالثاً: سوف يوظِف اقتصاد النظائر عمليات التحول الكيميائية (transmutations) الاصطناعية على نطاق واسع لإيجاد أنواع متعددة من الذرات كمواد خام للإنتاج الصناعي. هذا يعني، في البداية، استخدام المفاعلات النووية الانشطارية بالتوازي مع عمليات إعادة تصنيع المنتجات الانشطارية اكثر فاكثر كمولدات ذرات ومكائن تحويل كيميائية بدلاً من أن تكون فقط مصدرا للحرارة والطاقة. تنتج التفاعلات الانشطارية للنويات الثقيلة بطبيعتها طيفا واسعا من النظائر الخفيفة بالإضافة إلى دفعة من النيوترونات التي يمكنها إحداث تحولات أكثر في المواد المحيطة بها. الخطوة التالية سوف تكون إضافة قدرات الاندماج النووي لتكوين "اقتصاد إنشطاري ـ اندماجي" مشترك يحاكي التوليد الفيزيائي الكوني للعناصر في بعض النواحي. التدفق الكبير للنيوترونات المتولد عن طريق التفاعل الاندماجي (الديتريوم ـ تريتيوم) يسمح بنسب أسرع من "استيلاد" الوقود للمفاعلات الانشطارية بشكل خاص وعمليات التحول الكيميائي عامة. إن إنتاج النيوترونات عبر عملية "التشظي" ("spallation”) في المعجل, يوفر لنا طريقة ثالثة لتوليد الذرات على نطاق واسع، ربما ابتداء بمنشئات خاصة بالتحويل الكيميائي "للنفايات" النووية عالية المستوى.

في المستقبل المنظور ستبدأ العديد من الطرق المتطورة بالظهور بناء على التحكم المتناسق بالعمليات النووية بواسطة الإشعاع الألكترومغناطيسي المضبوط بدقة ووسائل مماثلة. سيتمكن الإنسان تدريجيا من تطوير  الإمكانيات لتصنيع كميات كبيرة من الذرات من أي نوع يرغب فيه وبإرادته، وللقيام بذلك على هذا المستوى, لمواكبة المواد الخام الموجودة في المصادر الطبيعية اليوم وفي بعض الحالات حتى تجاوزها كما ونوعا. بالتوازي مع التوليد الاصطناعي للعناصر، سيؤدي استخدام البلازما ذات الحرارة العالية لمعالجة المواد الخام والنفايات والمواد الأخرى ـ ما يسمى "الشعلة الاندماجية" ـ سيؤدي إلى زيادة نطاق الموارد الطبيعية الممكن استغلالها اقتصاديا زيادة هائلة، وسيسمح بإعادة استعمال المواد المستخدمة بنسبة 100% في الاقتصاد.

رابعا: إن اقتصاد النظائر بطبيعته وأصله "فيزيائي كوني" في توجهه الثقافي. إن صيانته وتطويره سوف يعتمدان على البحث الفيزيائي الكوني الشامل والمتواصل, الأمر الذي لا يمكن القيام به فقط من كوكب الأرض والمناطق القريبة حوالي الأرض, بل ويتطلب توسع النشاط الإنساني في كل المناطق الداخلية للمنظومة الشمسية. لإتقان العمليات دون الذرية لاقتصاد النظائر على الأرض, يجب علينا أن نتعلم كيف تعمل هذه العمليات على مستوى المجرات للزمان-المكان, و يجب علينا أن نتعرف، اكثر مما تسمح لنا التخمينات الأرضية الحالية, على التاريخ البدائي لنظامنا الشمسي وأصل العناصر التي نجدها فيه اليوم. هذه المتطلبات تترجم إلى الحاجة إلى بناء شبكة كبيرة من المراصد الفلكية المتمركزة في الفضاء الخارجي في المدارات الشمسية, قادرة على إجراء قياسات تداخلية (interferometric) وغيرها من القياسات للبيئة المجرّية وخارج المجرّية التي نوجد فيها, وذلك على مقياس مدار المريخ. وتضاف إلى ذلك الحاجة لبناء برنامج أكثر توسعا لاستكشاف المنظومة الشمسية ذاتها.

كل هذا غير ممكن بدون إيجاد بنية تحتية لوجستية/ إنتاجية في الفضاء, مع التأكيد على القمر والمريخ, قادرة على إعالة عمالة علمية تقنية كبيرة تعيش وتعمل لمدة طويلة بعيداً عن الأرض على أساس الاكتفاء ذاتي قدر الإمكان. بالمقابل, فإن هذه هي "القفزة الكمية" في إجمالي الطاقة الإنتاجية المتأصلة في التطورات التقنية "لاقتصاد النظائر", التي تجعل السفر الروتيني داخل المنظومة الشمسية وتأسيس مستعمرات دائمة ومناسبة لسكنى البشر على المريخ أمرا ممكنا. بإمكان أنظمة الدفع الاندماجية, مثلاً, أن تقصر من زمن الرحلات  بين الأرض والمريخ من عدة أشهر كما يتطلب محرك الدفع الكيميائي, إلى بضعة أسابيع أو أقل.

ملاحظات:

*1. النص التالي هو مقدمة للبحث المطول للدكتور جوناثان تينينباوم الذي نشر باللغة الانجليزية في مجلة EIR في 6 أكتوبر 2006 وهو موجود باللغة الإنجليزية على موقع المجلة (www.larouchepub.com) وتتم ترجمة البحث بالكامل إلى اللغة العربية حيث ستنشر على موقعنا العربي حال اكتمالها: www.nysol.se/arabic

*2. لقد ترجمنا مفردة (empiricism) في هذا النص إلى "المذهب التجريبي"، ومفردة (experimental) إلى "اختباري" لتفادي الالتباس حيث تختلف المفردتان اختلافا كبيرا من الناحتين الإبستيمولوجية والفكرية. إذ تشير الأولى باختصار إلى المذهب العلمي والفلسفي الأرسطوطالي عموما المبني على أن الإدراك هو إدراك المحسوس فقط، بينما تشير الثانية إلى فكرة أفلاطونية تعني أن الفرضية والمبدأ والفكرة غير المحسوسة أو المرئية تأتي أولا ومن ثم نختبر صحة المبدأ أو الفرضية وجودهما بالاختبار بالوسائل المدركة حسيا.

*3. لمراجعة موضوع المفاوضات التي أجراها ليندون لاروش مع السوفيت بالنيابة عن إدارة ريجان اقرأ الموضوعين: "من هو ليندون لاروش" (http://www.nysol.se/arabic/larouche/whoislar.html) ومقالة "ليلة جاءوا لقتلي" (http://www.nysol.se/arabic/thenight/thenight.html)

***

جمالية إكمال دورة الوقود النووي

كانت الولايات المتحدة رائدة دورة الوقود النووي الكاملة، لكنها تخلت عنها في السبعينات، عقب إعلان سياسة إدارة فورد التي كتبت بإشراف ديك تشيني

مقالة بقلم مارجوري مازيل هيكت

 Marjorie Mazel Hecht

نشر هذا المقال في مجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو (EIR   ) العدد الصادر في 5 مايو 2006

تبين لنا دورة الوقود النووي بأن الطاقة النووية هي مصدر متجدد للطاقة، لأنه بالإمكان معالجة الوقود المستنفذ وإعادة تصنيعه لاسترجاع اليورانيوم والبلوتونيوم غير المحترق الذي يمكن تصنيعه مجددا في شكل وقود جديد للمفاعلات. في اللحظة الراهنة، تعتبر الطاقة النووية الأمريكية "ذات مسار واحد"، حيث تتجه من الوقود المستنفذ إلى التخزين المؤقت ومن ثم التخزين النهائي.   

يحتاج المرء إلى 2 مليون جرام من النفط و 3 ملايين جرام من الفحم لمجاراة الطاقة المخزنة في جرام 1 فقط من وقود اليورانيوم. بخلاف النفط والفحم، يمكن إعادة تكرير واستخدام الوقود النووي، ويمكن، في مفاعل الاستيلاد (breeder reactor) إنتاج وقود أكثر مما يستهلك! لهذه الأسباب تكون الطاقة النووية أفضل وسيلة موجودة اليوم لتزويد الطاقة لاقتصاد صناعي حديث.

إن الطاقة النووية هدية للبشرية، أما ما خلق الخوف والشك في أوساط الرأي العام ضدها فهي فقط دعاية المالثوسيين المتطرفين المسخرين جهودهم لوقف التقدم الإنساني ولخفض عدد سكان العالم.  

إن أفضل طريقة للتغلب على الخوف اللاعقلاني هي من خلال المعرفة. لهذا الهدف نستعرض هنا العملية التي بواسطتها يتم تحويل خام اليورانيوم الطبيعي إلى وقود للمفاعلات النووية، وكيف يتم استخدامه وكيف يمكن إعادة تكريره واستعماله، بحيث يتوصل القارئ إلى معرفة أنه ليس هناك شيء اسمه "نفايات" نووية.

دورة الوقود النووي

لفهم "تجددية" الوقود الانشطاري النووي علينا أن ننظر إلى دورة الوقود النووي الكاملة. في بداية العصر النووي تم افتراض أن تقوم الدول بإكمال دورة الوقود ـ وبضمن ذلك معالجة وإعادة تصنيع الوقود النووي المستنفذ من المفاعلات للتوصل قدر الإمكان إلى ما هو أقرب من نسبة استخدام 100% من وقود اليورانيوم. نستعرض هنا باختصار الخطوات السبع لهذه الدورة. على القارئ أن يأخذ بنظر الاعتبار أن الاختصار في الوصف يترك تفاصيل معينة عن العمليات الكيميائية المعقدة خارج المقال، تلك العمليات التي تم الشروع بها في مشروع مانهاتن والتي لا تزال قيد التطوير والتحسين.     

1. الخطوة الأولى، (التعدين) يتم استخراج اليورانيوم الطبيعي من الأرض. هنالك ما يكفي من المصادر الطبيعية في العالم لسد احتياجات الحالية، لكن حالما نشرع ببرنامج طموح لتنمية الطاقة النووية (لبناء 6000 مفاعل نووي من أجل توفير ما يكفي من الطاقة الكهربائية لرفع كل سكان العالم إلى مستوى كريم من العيش) فسيكون علينا أن نسرّع عملية تطوير المفاعلات النووية الإستيلادية التي تنتج كمية أكبر من الوقود مما تستهلك أثناء تشغيلها.   

2. الخطوة الثانية، يتم تصنيع اليورانيوم وطحنه وتحويله إلى أوكسيد اليورانيوم (U3O8) المسمى الكعكة الصفراء، وهو المادة الخام لصناعة الوقود الانشطاري. أصبح اسم الكعكة الصفراء سيئ الصيت بعد التلفيقات السياسية التي أرادت أن تظهر عراق صدام حسين وكأنه يحاول استيراد الكعكة الصفراء من النيجر من أجل استخدامها في صناعة القنابل.

وما هي الكعكة الصفراء في الأساس إلا خام اليورانيوم الطبيعي الذي يتم طحنه ومعاملته بواسطة الترشيح (بالأحماض أو الكاربونات) لتحليل اليورانيوم الذي يمكن من بعد استخراجه وتركيزه إلى نسبة 75% يورانيوم بمساعدة الأمونيوم أو مغنيسيوم الصوديوم.      

3. الخطوة الثالثة، يتم تحويل اليورانيوم المركز من بعد إلى سادس فلوريد اليورانيوم (UF6) الذي يتم تسخينه لتحويله إلى غاز مناسب لعملية التخصيب.

تخصيب اليورانيوم

4. الخطوة الرابعة. إن لليورانيوم الطبيعي نظير أولي واحد هو اليورانيوم-238 (U-238) غير القابل للانشطار، ونسبة أقل بكثير من اليورانيوم-235 القابل للانشطار. ولأن معظم اليورانيوم (99.276%) هو يورانيوم-238، يكون لزاما على وقود اليورانيوم أن يمر عبر عملية تخصيب لزيادة نسبة اليورانيوم-235 القابل للانشطار مقابل اليورانيوم-238 من حوالي 0.7% إلى 3 إلى 4%. (يتم تخصيب اليورانيوم المستخدم في الأسلحة إلى حوالي 93% يورانيوم-235).  

تم تطوير تكنولوجيا التخصيب في مشروع مانهاتن (Manhattan Project) أثناء الحرب العالمية الثانية، حينما كان الهدف إنتاج يورانيوم عالي التخصيب لاستخدامه في القنبلة النووية. تستخدم مفاعلات الطاقة المدنية في معظم الأحوال يورانيوم منخفض التخصيب. (طورت كندا نوعا من المفاعلات (CANDU) يستخدم فيها يورانيوم طبيعي غير مخصب بمساعدة وسيط مرسّل من الماء الثقيل لإنتاج عملية الانشطار).

---------------------------------- 

(PICTURE)  

 Frank Hoffman/DOE

The huge Gaseous Diffusion Plant in Oak Ridge , Tenn. , the first such facility in the world. The U-shaped building, constructed during the Manhattaan Project, began operation in 1945. Later, the facility was expanded to produce enriched uranium for plants around the world.

---------------------------------   

لقد تم تطوير طريقة النشر الغازي في التخصيب، التي لا تزال مستخدمة من قبل الولايات المتحدة، ضمن مشروع مانهاتن. يتم ضخ غاز سادس فلوريد اليورانيوم عبر سلسلة واسعة من الأغشية النفيذة (تمر عبرها الغازات) يصل طولها مجموعة إلى آلاف الأميال. تمر جزيئات النظير يورانيوم-235 الأخف عبر جدران الأغشية بسرعة أكبر قليلا من النظير يورانيوم-238 الأثقل. حينما يتم استخراجه، يكون للغاز محتوى متزايدا من اليورانيوم-235، الذي يتم تمريره مجددا عبر الغشاء المصفي التالي، وتكرر العملية إلى أن يتم الحصول على التخصيب المرغوب. ولأن السرعة الجزيئية لنظيري اليورانيوم تختلف بنسبة حوالي 0.4% فقط، ينبغي تكرار كل عملية نشر غازي 1200 مرة.        

ابتكر مشروع مانهاتن هذه الطريقة للنشر الغازي بسرعة وسرية مذهلة. لم تكتمل هذه الطريقة في الوقت المطلوب لإنتاج كل اليورانيوم المستخدم في قنبلة اليورانيوم التي ألقيت على اليابان، لكنها أنتجت معظم اليورانيوم المخصب للبرامج المدنية والعسكرية في السنين اللاحقة. بالرغم من كونها طريقة ناجحة، إلا أنها تطلبت كمية هائلة من الطاقة وبنية تحتية مادية ضخمة جدا لإيجاد ما يكفي من المكان لحاويات ("شلالات") الأغشية المتتالية. تم بناء أربعة محطات طاقة في أوك ريدج، ولاية تينيسي، لتزويد تلك العملية بالطاقة، منتجة قدرا من الطاقة الكهربائية يساوي استهلاك كل الاتحاد السوفيتي من الكهرباء في عام 1939! يتم استخدام معظم الطاقة المستهلكة تقريبا في عملية النشر الغازي لتكرير وضغط غاز اليورانيوم.   

أقول للمتشائمين التكنولوجيين، انتبهوا: حينما كان يتم بناء مصنع النشر الغازي، لم يكن العلماء قد توصلوا بعد لكيفية صناعة غشاء يمكن استخدامه في عملية النشر – لكنهم نجحوا في القيام بذلك في الوقت المناسب لإنجاح العملية! 

أما نظام الطرد المركزي المستخدم في أوربا واليابان فإنه أكثر كفاءة 10 مرات من ناحية توفير الطاقة. يقوم حقل الطرد القوي لاسطوانة تدور بسرعة بدفع النظائر الأثقل في سادس فلوريد اليورانيوم إلى خارج الاسطوانة، حيث يمكن سحبها، بينما ينتشر نظير اليورانيوم-235 داخل الاسطوانة. نظرا لضيق مساحة جهاز الطرد المركزي، تبرز الحاجة إلى آلاف أجهزة الطرد المتطابقة المربوطة في هيئة سلسلة من أجل انتاج الكميات المطلوبة من اليورانيوم المخصب.

تحتاج منشأة أجهزة الطرد المركزي لحوالي 4% فقط من الطاقة التي يحتاجها مصنع النشر الغازي المذكور أعلاه، وكميات أقل من المياه المستخدمة في عملية التبريد.

هنالك طرق أخرى ممكنة للتخصيب مثل الفصل الألكترومغناطيسي وفصل النظائر بالليزر وطرق بيولوجية. 

تصنيع اليورانيوم إلى قضبان وقود

  -------------------------------------- 

(PICTURE)

  U.S. AEC

A cylinder of uranium hexaflouride enriched in U-235 is readied for shipment to a conversion facility, where it will be converted to uranium dioxide for use in fuel rods. The cylinder weighs 2.5 tons..

 Westinghouse Photo

A partially completed nuclear fuel assembly. The long tubes guide the control rods in the reactor, which regulated its operation. The grids that hold the guide sheaths also align the fuel rods containing uranium pettets. When the fuel rods are inserted through the grids, parallel to the guide sheath, the fuel assembly will be completed.  

----------------------------------------

5. الخطوة الخامسة، حالما يتم فصل اليورانيوم المخصب عن اليورانيوم المستنفذ، يتم تحويله من سادس فلوريد اليورانيوم إلى ثاني أوكسيد اليورانيوم وتصنع منه كرات متساوية الحجم. يتم تعبئة الكرات في أنابيب طويلة مصنوعة من مزيج معدن الزركونيوم الذي يحبس عددا قليلا جدا من النيوترونات. هذه التغطية تمنع انتشار المواد الانشطارية وتساعد أيضا في نقل الحرارة المنتجة في عملية الانشطار النووي في الوقود. يتم نقل الوقود بعد ذلك إلى موقع المفاعل. 

تتطلب الأنواع المختلفة من المفاعلات أنواعا مختلفة من تصاميم قضبان الوقود وحزم الوقود. في مفاعل الماء الخفيف، يتم إدخال قضبان الوقود في قلب المفاعل لخلق الانشطار الذي بدوره ينتج البخار الذي يقوم بتدوير تربينة تنتج الكهرباء.

 أما الوقود المستخدم في الجيل القادم من المفاعلات النووية ذات الحرارة العالية المبردة بالغاز (high-temperature gas-cooled reactor ) فسيكون مختلفا: يتم تشكيل اليورانيوم المخصب في هيئة حصى مغطاة بالجرافيت وأنواع خاصة من السيراميك التي تلعب دور "البنايات المانعة" لحصى الوقود كل على حدة. 

 6. يتم استخدام قضبان الوقود لمدة أربع سنوات ونصف تقريبا قبل استبدالها، وعادة ما يغير المفاعل ثلث وقوده كل مرة. يتم اعتبار الوقود مستنفذا حينما تنخفض نسبة اليورانيوم-235 الانشطاري إلى أقل 1%. حينما ينقل الوقود المستنفذ من المفاعل يتم وضعه في أحواض تبريد تلعب دور الدرع العازل له بينما تضمحل نويداته (nuclides). في غضون عام واحد يهبط مستوى النشاط الإشعاعي الإجمالي إلى 12% فقط مقارنة بما كان عليه حينما خرجت قضبان الوقود من المفاعل. 

لا تقوم الولايات المتحدة في الوقت الراهن بمعالجة وإعادة استخدام الوقود المستنفذ، لذلك تبقى قضبان الوقود المستنفذ في أحواض التبريد في المفاعل. بعد أن يبرد الوقود المستنفذ، يتم تخزينه في حاويات جافة بانتظار "دفنه" أو إعادة تصنيعه.  

لكن الوقود المستنفذ هو ليس "نفايات"! فهو يحتوي على ما بين 90 و 95% من اليورانيوم القابل للاستعمال، والذي يمكن فصله وتكريره وتحويله إلى وقود جديد. كما أنه يحتوي على نسبة أصغر ـ حوالي 1% ـ من البلوتونيوم، الذي هو وقود للمفاعلات الإستيلادية.

الطاقة النووية طاقة متجددة!

--------------------------------

(PICTURE)  

 Nuclear Materials and Equipment Corporation

 

In this 1964 photo, laboratory technicians work in glove-boxes to remotely fabricate plutonium fuel elements.  

--------------------------------    

7. أما الآن فلنتطرق إلى مسألة التجددية الباهرة للوقود النووي. إن الوقود المستنفذ من منشأة نووية بطاقة 1000 ميجاواط مشتغلة لمدة 40 عام، يساوي طاقة 130 مليون برميل من النفط و 37 طن من الفحم. لماذا دفنه إذن؟ استخرجوه وحولوه إلى وقود جديد! لقد قرر صانعوا السياسات قصيري النظر (اقرأ أدناه) في السبعينات، بدون أي سبب وجيه، أنه من المفضل منع الاستخدام الكلي لهذه القدرة الكامنة بدفن الوقود المستنفذ في دورة "باتجاه واحد".

إن طريقة التكرير وإعادة التصنيع التي تم استخدامها بنجاح في الولايات المتحدة في منشأة سافانا ريفر (Savannah River) في ولاية كارولاينا الجنوبية للأغراض العسكرية، هي فعالة بنفس القدر للأغراض المدنية. تتم معالجة قضبان الوقود المستنفذ لإزالة المنتجات الانشطارية قوية الإشعاع وفصل (تجزئة) اليورانيوم-235 والبلوتونيوم القابلان للانشطار.

يمكن استخدام هذا البلوتونيوم مباشرة كوقود في مفاعلات الإستيلاد، وهو الأمر الذي كان يمثل النية وراء دورة الوقود الكاملة. يمكن استخدام البلوتونيوم أيضا لإنتاج أنواع وقود من الأوكسيد الممزوج، أو ما يسمى (MOX) حيث يتم تحوير بعض المفاعلان النووية اليوم لتمكينها من حرقه كوقود. (35 مفاعل في أوربا يستعمل وقود OMX الآن).  

 كانت منشآت التكرير والتصنيع في سافانا ريفر تسمى "الوديان" لأن بناياته كانت طويلة وضيقة. كان يتم التعامل مع الوقود المستنفذ بالتحكم عن بعد من قبل فنيين يعملون من وراء جدران حماية. كان ذلك نشاط تكرير ومعالجة على نطاق صناعي واسع، وكان ناجحا تماما وأمينا ومحميا. 

حالما يتم فصل اليورانيوم، كان يتم إرساله إلى بناية أخرى في منشأة سافانا ريفر لتصنيعه واستخدامه في صناعة الأسلحة. أما ما يتبقى من كميات من منتجات الانشطار ذات الإشعاع العالي ـ وهو جزء ضئيل من مجمل الوقود المستنفذ ـ فقد كان يوضع جانبا ليتم تزجيجه وتخزينه. اليوم توجد التقنيات المناسبة أو يمكن تطويرها، لاستخراج نظائر طبية ثمينة وغيرها من هذه الـ 3% من "النفايات" ذات المستوى العالي. يمكن في واقع الأمر الاستفادة من كل الوقود المستنفذ استفادة كاملة.   

بالإمكان إعادة تصنيع الوقود المستنفذ المدني للولايات المتحدة على شاكلة نموذج سافانا ريفر ـ أو بواسطة تقنيات يجري تطويرها حاليا. (خصص الكونجرس الأمريكي في عام 2005 مبلغ 50 مليون دولار لأغراض البحوث في مجال طرق إعادة التصنيع والتكرير). تقوم بريطانيا وفرنسا وروسيا والهند حاليا بإعادة تصنيع الوقود المستنفذ من المفاعلات المدنية باستخدام طريقة بيوريكس (PUREX) التي تعني خلاصة البلوتونيوم واليورانيوم. كمال أن لدى اليابان اليوم مصنع تكرير تجاري في مرحلة الفحص والمباشرة. وتقوم الدول النووية الأخرى بإرسال وقودها المستنفذ إلى بريطانيا أو فرنسا للمعالجة والتكرير، أو تقوم بتخزينه تخزينا نهائيا. وتقوم الصين بتكرير وإعادة تصنيع الوقود المستنفذ العسكري.    

 من يعارض إعادة التصنيع؟

-------------------------------------

(PICTURE)

 E.I. DuPont DeNemours &Co.

A 1972 photo of high-level waste storage tanks in construction at DOE’s Savannah River Plant in South Carolina . The tanks are built of carbon steel, surrounded by concrete encasements 2 to 3 feet thick, set about 40 feet in the ground and then covered with dirt. Shown are the steel tanks before concrete encasement. Each tank has a capacity of from 750,000 to 1,300,000 gallons..

----------------------------------    

إن عملية إعادة التصنيع تجعل الجناح المضاد لنمو السكان مضطربا وقلقا جدا، لأنها تعني أن الطاقة النووية ستستمر بالتطور كمصدر للكهرباء، وبوجود مصدر رخيص ونظيف للطاقة لن تكون هناك حدود للنمو. المالثوسيون وغيرهم من المتشائمين يتبجحون ويصرخون حول "خطر الانتشار النووي"، لكنك حينما تنزع عنهم القناع ستجد أن ما يقلقهم في الحقيقة هو إمكانية توسع الطاقة النووية ونمو السكان والتقدم الصناعي. 

إن الحجج المعلنة ضد إعادة التصنيع هي في أغلب الأحيان تكتيكات تخويفية، حيث يقولون مثلا: إن السماح بإعادة التصنيع في الولايات المتحدة سيسهل الأمور على "الأشرار" الذين يريدون صناعة قنابل نووية ـ أو قنابل قذرة. هذا هو جوهر الحجة، بالرغم من انه يمكن طرحها بلغة أكثر تعقيدا وبلغة أكاديمية (مملة). 

لكن هذه الحجة هي حجة واهية مبنية على التخويف ـ الخوف من أن تقنية عالية لن يمكن التحكم بها والتعامل معها بشكل صحيح، والخوف من أننا لن يكون لدينا أبدا عالما ليس في "أشرار" يريدون تفجيرنا بالقنابل. إنها مناقضة تماما لفلسفة "الذرة من أجل السلام" (التي طرحها الرئيس آيزنهاور). 

في الحقيقة إذا كان المرء قلقا حقا من انتقال البلوتونيوم إلى أيدي غير أمينة، فلماذا لا نحرقه لإنتاج الكهرباء بدلا من تركه يتراكم في محطات التخزين؟ وكما قال مدير منشأة سافانا ريفر وليام بيبينجتون (William P. Bebbington) الذي كان من المشاركين في برنامج مانهاتن، في مقالة شهيرة كتبها عام 1976 حول فكرة إعادة التصنيع: "ربما قد يكون أحسن ما نتأمله هو أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه البلوتونيوم أكثر قيمة كوقود لمفاعلات إنتاج الطاقة من فائدته للأسلحة، وأن تقوم الأمم حينذاك بتكسير قنابلها لتصنع منها قضبان وقود."

الاعتراض الآخر على فكرة إعادة التصنيع هو أنها "غير اقتصادية"، وأنه من الأرخص أن يكون لدينا "دورة ذات مسار واحد" والتخلص من الوقود المستنفذ. لكن قاعدة الربح والتكلفة التي يحسب على أساسها هذا التفكير الاقتصادي هي خدعة مضحكة. ما هي كلفة عدم إعادة التصنيع ـ إذا نظرنا إلى الأرواح التي سنفقدها إذا لم يتقدم المجتمع؟ وثم ماذا عن كلفة تخزين الوقود المستنفذ، هذا إذا لم نضف إلى ذلك منشآت التخزين غير المستعملة في جبل يوكا، ولاية نيفادا، التي أصبحت كرة قدم سياسية وعاطفية مكلفة يتقاذفها الجميع؟

 كانت حجة "منع الانتشار" أساسية في وقف عمليات إعادة التصنيع في الولايات المتحدة عام 1976. تم تعظيم المخاوف عن طريق الفكرة الموحية إلى أن عملية إعادة التصنيع ستجعل البلوتونيوم أكثر وفرة، مما يسهل إيصاله إلى الدول أو الجماعات "المارقة" لصناعة أسلحة نووية سرية. نفذ الرئيس فورد دراسة سرية وألقى خطابا سياسيا يخص الطاقة النووية في 28 أكتوبر 1967، قبل خمسة أيام فقط من موعد الانتخابات، دعا فيه إلى وضع حد لعمليات إعادة التصنيع.  ثم قام جيمي كارتر الذي فاز بتلك الانتخابات بتنفيذ تلك السياسة لوقف عمليات إعادة التصنيع للوقود النووي المستنفذ في الولايات المتحدة، أما الرئيس اللاحق رونالد ريجان فقد أعلن وفاة دورة الوقود بفكرة "خصخصة" كل من عمليات إعادة التصنيع والمفاعلات الإستيلادية.   

إن القصة الكاملة حول الكيفية التي تم بها وقف عملية إعادة التصنيع يجب أن تروى للجميع. لكن نهاية القصة واضحة: لقد أصابت الولايات المتحدة نفسها في قدمها، مرتين: المرة الأولى عندما أوقفت الولايات المتحدة تقنية مهمة كانت هذه البلد رائدا لها، والثانية عندما فشلت سياسة الولايات المتحدة المضادة لإعادة التصنيع فشلا ذريعا في منع دول أخرى من تطوير دورة الوقود الكاملة.   

الأمر المثير هو أن سياسة إدارة فورد في عام 1976 التي دعت إلى قتل عمليات إعادة التصنيع الأمريكية لنفس الأسباب الزائفة التي اتبعها الرئيس كارتر، كانت قد خطت بيد كبير موظفي البيت الأبيض في عهد فورد ديك تشيني (Dick Cheney). أما أحد أهم التقارير التي كتبت دعما للحظر الذي وضعه كارتر على إعادة التصنيع فقد كتبه الأب الروحي للعديد من المحافظين الجدد في إدارة بوش الحالية، ألبيرت وولستيتر (Albert Wohlstetter) الذي كان يعمل حينها مستشارا لوزارة الدفاع.

 لكن حالما يتم اتخاذ القرار السياسي بالبدء ببرنامج طموح للبناء النووي، فإن تقنيات إعادة التصنيع الموجودة والجديدة ستطفو إلى السطح من جديد.

 ملاحظات:

- للاطلاع على المزيد من المقالات والبحوث العلمية الصادرة من حركة لاروش باللغة الانجليزية، يمكن زيارة موقع مجلتنا العلمية على الموقع:

www.21stcenturysciencetech.com

 

 

 

 

Home | Articles | Events | Video Clips | Old Photos | New Photos | Sign Guestbook | Contact Us

 

 

 

© 2006 Shranish. All rights reserved.
Google